أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
78
العقد الفريد
يسمونها بيت الخلاء ؛ فقال لهما : يا حبيبتي ، أين بيت الخلاء ؟ قالت إحداهما لصاحبتها : ما يقول ؟ قالت : يسأل أن نغني : خلّى على جوى الأحزان إذ ظعنا * من بطن مكّة والتسهيد والحزنا « 1 » قال : فغنتاه ؛ فقال : إنا للّه وإنا إليه راجعون ! ما أحسب الفاسقتين إلا بصرتين وأهل البصرة يسمونها الحشوش ؛ فقال لهما : أين الحشّ ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول ؟ قالت : يسأل أن نغنيه : فلقد أوحش الجهيدان منها * فمناها فالمنزل المعمور « 2 » فاندفعتا تغنيانه ؛ فقال : ما أراهما إلا كوفيتين . وأهل الكوفة يسمونها الكنف . قال : يا حبيبتي ، أين الكنيف ؟ قالت إحداهما لصاحبتها : يعيش سيدنا ، هل رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل ؟ ما يقول ؟ قالت : يسأل أن نغني . تكنّفني الهوى طفلا * فشيّبني وما اكتهلا قال : فغلبه بطنه ، وعلم أنهما تولعان به ، والهاشمي يتقطع ضحكا ؛ فقال لهما : كذبتما يا زانيتان ، ولكني أعلمكما ما هو . فرفع ثيابه فسلح عليهما ، وانتبه الهاشمي فقال له : سبحان اللّه ! أتسلح على وطائي ؟ قال : الذي خرج من بطني أعزّ عليّ من وطائك ؛ إن هاتين الزانيتين إنما حسبتا أني أسأل عن الحش للضراط ، فأعلمتهما ما هو . قولهم في العود يزيد وعبيد اللّه في البربط : قال يزيد بن عبد الملك يوما وذكر عنده البربط « 3 » ، فقال : ليت شعري ما هو ؟ فقال له عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود : أنا أخبرك ما هو : هو محدوب
--> ( 1 ) ظعن : ارتحل . ( 2 ) الجهيد : الجهد . ( 3 ) البربط : العود .